الشيخ محمدجواد البلاغي النجفي

79

آلاء الرحمن في تفسير القرآن

سبيل الاستهزاء بدعوى الرسول ان المثل وحي منزل من اللَّه فإن الكافرين بل والمنافقين ينكرون الوحي المذكور ولو اعترفوا به لما قالوا قولهم هذا . وقد اعرض اللَّه عن بيان ما أراد بالمثل فإن بيانه مقرون به وعن ذكر فائدته فإن حكمته ومغزاه ونتيجته واضحة لا يتجاهل فيها إلا السفيه المعاند ولكنه جل شأنه أجابهم بعاقبته السيئة بالنسبة إليهم فيما هم عليه من العناد وبأثره الحميد بالنسبة للمؤمنين فقال جل اسمه * ( يُضِلُّ بِه كَثِيراً ) * من الناس المنكرين على المثل أو المستهزئين أي تكون عاقبتهم في ذلك الضلال وان أراد اللَّه به تفهيمهم وهدايتهم . وذلك كما قيل فلان قتل فلانا بحلمه فإنه لم يرد بحلمه إلا فضيلته ولكن صارت عاقبته ان فلان الآخر اغتر بجهله واجترأ على آخر فقتله فنسب القتل إلى فلان الأول باعتبار ان حلمه كانت عاقبته قتل ذلك المغتر بسوء اختياره * ( ويَهْدِي بِه كَثِيراً ) * وهم المؤمنون إذ يتدبرونه ويهتدون بمفاده ويعرفون حكمته * ( وما يُضِلُّ بِه ) * بالمعنى المذكور * ( إِلَّا الْفاسِقِينَ ) * وهم الكافرون والمنافقون الهاتكون للحجاب فإن الفسق في اللغة هو خروج الشيء من حجابه يقال فسقت التمرة إذا خرجت من قشرها . ولا يضر بعمومه للكافرين والمنافقين كونه في الاصطلاح المتأخر مختصا بالمسلم العامل بالمعاصي [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 27 ] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّه مِنْ بَعْدِ مِيثاقِه ويَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّه بِه أَنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) 27 * ( الَّذِينَ ) * الأظهر ان ذلك بيان لصفات مطلق الفاسقين لا خصوص من يضلهم ضرب المثل * ( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّه مِنْ بَعْدِ مِيثاقِه ) * نقض البناء هدمه ونقض الحبل حل فتله فهو ضد ابرامه . والعهد يستعمل في الوصية نحو قوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم . وفي الوعد المقرون بإظهار الالتزام به . والميثاق مصدر من الوثوق مثل الميعاد من الوعد والميلاد من الولادة أي ينقضون وصية اللَّه لهم أو ما أعطوه للَّه من العهد مع توثيقه بالمؤكدات . وشبه عهد اللَّه في توثيقه وربطه ما بين العبد وربه بالحبل وابرامه فاستعير لمخالفته لفظ النقض . والأظهر ان المراد ما عهده اللَّه إلى الناس ووثقه سواء كان بدلالة العقل أم بتبليغ الرسل والكتب المنزلة وسواء كان في التوحيد والمعرفة أم في النبوة أم في الإمامة أم في الدين والشريعة * ( ويَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّه بِه أَنْ يُوصَلَ ) * ومن ذلك صلة الأرحام وصلة الرسول والإمام بالطاعة كما أمر